المادة كاملة    
ذكر هذا الدرس اهتمام كتب العقيدة بالقدر، وأن الأمم السابقة لم تكن تنفي القدر ولكن أخطأت في فهمه، مبيناً أن القدر من أعظم ما بينه الله ورسوله القدر. وقد تضمن إضافة إلى ذلك: ثمار الإيمان بالقدر في حياة الصحابة .. ضلالات الصوفية .. سبب ظهور البدع في البصرة .. بيان الطريق الصحيح لمناظرة القدرية مجوس هذه الأمة .. تكفير المسلمين للفلاسفة كالكندي والفارابي وابن سينا .. توضيح معنى أن الله خالق العباد وأفعالهم وأن الأفعال تنسب إلى العبد؛ لأنه هو الذي قام بها .. بيان خطأ ما ذكره صاحب الجوهرة في مسألة العلة والقوة المودعة .. آية الكرسي وما اشتملت عليه من أصول الصفات.
  1. القدر

     المرفق    
    1. اهتمام كتب العقيدة بالقدر

      لقد اهتمت كتب العقيدة التي تسمى كتب السنة بمسألة القدر، فنجد أن من أطولها استدلالاً أبواب القدر، كما في السنة لـابن أبى عاصم والشريعة للآجرى والإبانة لـابن بطة وأمثالها من الكتب التي ألفت في شرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
    2. أول شرك وقع في هذه الأمة في القدر

      باب القدر باب عظيم من أبواب الإيمان؛ وأول شرك وقع في هذه الأمة وقع فيه، والإيمان بالقدر لا تحفى أهميته فهو أحد أركان الإيمان الستة التي جاءت في الحديث العظيم المشهور حديث جبريل عَلَيْهِ السَّلام لما جَاءَ إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آخر عمره بعد أن اكتملت الشريعة، وأبان الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الدين وأظهره، كما روى ذلك عُمَر رضي الله تَعَالَى عنه {بينما نَحْنُ جلوس عند رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد}.
      فأفضل خلق الله تَعَالَى من الملائكة جَاءَ ليبين لهذه الأمة دينها، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند انصرافه: {يا عُمَرأتدري من السائل قَالَ: قلت: الله ورسوله أعلم، قال هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم}
      فسأله عن أركان الإسلام عَلَى أرجح الروايات، ثُمَّ سأله بعد ذلك عن أركان الإيمان فقَالَ: {أخبرني عن الإيمان فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت}.
      فجعل الإيمان بالقدر ركنا من أركان الإيمان، وبهذا لا يمكن أن يؤمن أحد عَلَى الحقيقة إلا إذا آمن بالقدر، والإيمان بالقدر نعمة من نعم الله فوق أنه ركن من أركان الإيمان وعبادة لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ومع ذلك يغفل عنه أكثر النَّاس ولا يأبهون به، بل أكثر خلق الله اليوم وفي كل زمان معترضون عَلَى أقدار الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فكما أنهم يعترضون عَلَى أوامر الله الشرعية الدينية ويعصون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بمخالفة أمره ونهيه، كذلك يعترضون عَلَى أقداره وعلى ما يبتلون به من المصائب والنكبات التي لا يرضون بها مما يقع في هذا الكون.
    3. غلط الأمم الماضية في القدر

      الإيمان بالقدر معلومٌ لدى الفطر، فأكثر النَّاس في العالم من قديم الزمان وحديثه لا ينكرونه، ولا ينكر القدر إلا الشواذ، وإنما وقع غلط الأمم الماضية في فهمه عندما أثبتوه عَلَى غير الوجه الشرعي، كما ذكر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى احتجاج الْمُشْرِكِينَ عَلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القدر ((سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا)) [الأنعام:148] ((وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا)) [النحل:35] وكذلك ((لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ)) [الزخرف:20] وغير ذلك مما اعترض به المُشْرِكُونَ واحتجوا به عَلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهم يثبتون المشيئة لله، وأجابهم الله تَعَالَى في الموضعين في سورتي الأنعام والنحل فَقَالَ في النحل: ((كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ))[الأنعام:148] وقَالَ: ((كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [النحل:33].
      فالأمم السابقة كانت تعرف القدر وتؤمن به وتثبته، ولكن لا تؤمن به عَلَى الحقيقة، وإنما تؤمن به في معرض الاحتجاج به لمضادة شرع الله، فتحتج بمشيئة الله عَلَى رضاه ومحبته وإرادته الدينية.
    4. إقرار أهل الجاهلية بعلم الله

      المرتبة الأولى من مراتب القدر: العلم. لم يكن العرب في الجاهلية ولا أي إنسان يشك أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلم كل شيء أبداً؛ بل ورد ذلك في أشعارهم، فهذا عنترة الفارس الجاهلي الشاعر المشهور يقول في أول قصيدة له:
      يا عبل أين من المنية مهرب            إن كَانَ ربي في السماء قضاها
      فهو مقر بالقدر رغم جاهليته، لكن هذا الإقرار عَلَى تخبط.
      وكذلك زهير يقول وهو في الجاهلية في إثبات المرتبة الأولى من مراتب القدر أي: العلم :
      فلا تكتُمن الله ما في نفوسكم            ليخفي ومهما يكتم الله يعلم
      يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر            ليوم حسابٍ أو يعجل فينقم
      كان يثبت أن الله لا يخفى عليه شيء ((إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ))[الأنبياء:110] فمضمون الآية ذكره زهير في شعره، وهو أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليم بكل شيء، وكان هذا معلوماً لدى العرب الْمُشْرِكِينَ قاطبة، لكن زهيراً هو القائل:
      رأيت المنايا خبط عشواء من            تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرمِ
      فهذه نظرة زهير وهو حكيم العرب الذي يمتاز شعره بالحكم، ففي هذا البيت يذكر أن الموت والأقدار التي تنزل بالنَّاس فيموتون خبط عشواء، والعشواء هي الناقة ضعيفة البصر، تتخبط في المشي يميناً وشمالاً؛ لأنها لا ترى، لكن الأمر ليس كذلك فالله تَعَالَى يقول :((وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب)) [فاطر:11] ليس في هذا الكون خبط عشواء أبداً، بل هذا العلم أثبته زهير وكان العرب يثبتونه في الجاهلية.

      يقتضي أنه لا يوجد أدنى شيء في الوجود إلا وهو بحكمة والله هو الذي دبره وقدره كما قال تعالى: ((وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)) [الأنعام:59].
      فالشيء الرطب أدنى نقطة من الرطوبة من الماء يقول علماء الأحياء: "لو وضعتها تحت المجهر لوجدت فيها الملايين من الأحياء، تعيش وتموت وفق أعمار قدرها الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى" فقدر أن هذا المكروب قد يعيش دقيقة أو نصف دقيقة، فبعضها لا يعيش إلا ثلاثين ثانية، وربما أقل من ذلك، لكن هذا العمر مكتوب ومحسوب ومقدر عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ما تنزل قطرة من السماء إلا والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلمها.
      فهو يعلم منذ أن أخرجها من البحر، وساقها بهذا السحاب، ثم أين تنزل، يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، كل هذا بقدره، ثُمَّ هذه النقطة تقع حيث شاء الله تَعَالَى، فكل شيء عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى معلوم؛ بل أعجب من ذلك: أن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى قد كتبه وقدره قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فعلْمهُ وكتْبهُ وخلْقهُ كل ذلك منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
      إذاً: لا يوجد عَلَى الإطلاق في هذا الكون ولا أدنى ذرة إلا وهي بقدر من الله تعالى، فالعرب في الجاهلية لم تكن تنكر القدر ولكنها تخطئ في فهم حقيقة القدر.
    5. من آثار الإيمان بالقدر

      لما بعث الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى نبينا محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الدين العظيم وبين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنا ديننا؛ كَانَ من أعظم ما بينه الله في كتابه وما بينه رسوله مسألة القدر، فآمن بها صحابته الكرام والسلف الصالح، وكان لهذا الإيمان الأثر العظيم في طاعتهم لربهم وفي جهادهم في سبيل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وفي تمسكهم بكتاب الله، وصبرهم عَلَى الشدائد والمحن.
      فكان أحدهم يؤمن بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، كما أمرهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يقولوا للمنافقين الذين يشمتون بهم إذا أصيبوا ((قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا)) [التوبة:51] فكان هذا شأنهم لما آمنوا بهذه الحقيقة لا يعصون الله من أجل شيء من الدنيا؛ لأنهم يؤمنون أن ما كتب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للعبد من رزق فإنه آتيه، وما لم يكتبه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فلا يأتيه أبداً، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إن روح القدس نفث في روعي -أي: ألقى في نفسي- أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقو الله وأجملوا في الطلب}.
      فالإِنسَان يحتاج وقد يطلب ولكن يطلب طلباً جميلاً، أما الإلحاف فليس هذا من شأن المؤمنين، وليس هذا من أدب المتقين في السؤال، فقد كَانَ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أعظم النَّاس فهماً لحقيقة القدر، وأدركوا وعرفوا أن الإيمان بالقدر والتوكل عَلَى الله يدفع المؤمن إِلَى العمل الصالح، وإلى الاجتهاد في طاعة الله، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولم تكن تأخذهم في لله لومة لائم ولا يهابون في الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أحداً كائناً من كَانَ؛ فألقى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الرعب في قلوب أعدائهم لما امتلأت قلوبهم بمهابة الله وخوفه والتوكل عليه.

      ثُمَّ أنه حدث في هذه الأمة ما حدث في غيرها، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لتتبعن أو لتركبن سنن من كَانَ قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه} وفي رواية: {حتى لو أن أحدهم أتى امرأته عَلَى قارعة الطريق لفعلتموه}.
      نعم هذه مصيبة ابتليت بها هذه الأمة كما ابتلي غيرها من الأمم من قبلها، وقد ظهر الجدال في القدر في الأمم التي قبلنا عند النَّصَارَى واليهود واليونان والهنود فكانوا بين جبرية وبين قدرية منكرين، وكان الغالب عَلَى النَّاس -كما هو الحال اليوم- الجبر والاعتراض والاحتجاج بالقدر عَلَى الشرع.
      أما النفي المطلق فلا ينفي القدر نفياً مطلقاً إلا الشواذ في جميع العصور؛ لكن وقع الخلاف فيمن كَانَ قبلنا وكذلك في هذه الأمة، وهذا أراده الله وقدره، ولم يقع الخلاف في القدر في عصر الخلفاء الراشدين، وإنما وقع بعد ذلك، والذين أدركوا القدرية هم صغار الصحابة الذين كانوا في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحداثاً مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأمثالهما.

      فلما ظهر معبد الجهني في البصرة، وأنكر القدر جَاءَ التابعون إِلَى أصحاب رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسألونهم، فسألوا ابن عمر وسألوا ابن عباس، وظهرت مقالة القدر في موضعين: البصرة ودمشق، وظهر في البصرة أمر آخر هو الغلو في التعبد "التصوف". فـالصوفية الأوائل ظهروا في البصرة.
      وأبعد البيئات عن البدع هي بيئة مكة والمدينة لوجود أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهما بكثرة، ولأنها بعيدة عن فلسفات الهند واليونان، وبعيدة عن ضلالات اليهود والنَّصَارَى فهي بيئة نقية صافية.
  2. ظهور بدعة القدر

     المرفق    
    من أهم أسباب ظهور البدع في البصرة أنها منفذ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الهند، فالغلو في التعبد أُخذ من الطريقة البوذية وإنكار القدر كَانَ موجوداً في الهند والفرس المجوس ولا تزال كتب المجوس، وآثارهم وأفكارهم موجودة لدى تلك الأمم، فاستتروا بها سراً، وبثوها في ضعاف الإيمان هنالك.
    1. بدعة التجهم

      ظهر معبد الجهني وغيلان الدمشقي في دمشق ويقال: إن أستاذ غيلان هو رجل من النَّصَارَى يقال له: يوحنا الدمشقي، وهو الذي ألقى إِلَى غيلان هذه المقالة.
      ولم يكن معبد وغيلان عَلَى حال واحد فـ"معبد" كَانَ عالماً محدثاً، ولم يكن من سقط النَّاس، فوقع فيما وقع فيه المغضوب عليهم، وأما غيلان فقد وقع في طريق الضالين الذين يتكلمون عن جهل، فلم يكن غيلان من أهل العلم ولا من أهل الفضل والشأن، وإنما تلقف هذه المقالة وأخذ ينشرها فاشتهر بين النَّاس بهذه المقالة.

      والقدرية لم ينكروا القدر متعمدين أن ينكروا علم الله أو أن ينكروا أن الله كتب مقادير كل شيء، إنما كانت الشبهة في أفعال العباد من المعاصي، وهذا هو السبب والباعث لهم في إنكار القدر، هل المعاصي من زنا وشرب خمر شاءها الله سبحانه أم لم يشأها؟ كيف يشاء شيئاً ويقدره، ولكنه يكرهه ولا يرضاه، وكيف ننسب هذا إِلَى الله؟!
    2. مراتب القدر الأربع

      مراتب القدر أربع:
      أولاً: العلم: وهو أن نؤمن بأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليم بكل شيء ما كَانَ وما سيكون أزلاً وأبداً.
      وثانياً: الكتابة وهي: أن نؤمن بأن الله كتب كل شيء وفق ما علم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فلم يبدأ الجدال في إنكار علم الله ولا في إنكار الكتابة؛ لكن وقع الخلاف والجدال في المرتبتين الأخيرتين اللتين يمكن أن نجعلهما مرتبة واحدة، وهي المشيئة والخلق، ثُمَّ تطور الأمر بعد ذلك إِلَى أن وجد من ينكر المرتبة الأولى ثُمَّ الثانية، وهذا الإنكار وجد عند الجاهلية، فقد ثبت في صحيح مسلم أن الْمُشْرِكِينَ جاءوا يجادلون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القدر فأنزل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ((إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)) [القمر:49، 50].

      ولما أراد علماء السلف -رضوان الله عليهم- أن يرسموا لنا الطريق الصحيح لمناظرة هَؤُلاءِ ولإفحامهم، أمرونا أن نناظرهم بالعلم، لنردهم إِلَى الأمر الأول الذي لا خلاف فيه بين جميع العقلاء، وهو أن الله بكل شيء عليم.
      وهذا هو موضوع المرتبة الأولى الذي بدأ به المُصنِّف رحمه الله تعالى هنا، وقال الإمام الشَّافِعِيّ والإمام أَحْمَد وغيرهما: ''ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا وأقيمت الحجة عليهم''.
      أي أن الله تَعَالَى يعلم ما كَانَ وما سيكون؛ لأن الإِنسَان إذا أقر بأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بكل شيء عليم وأقر بأفعال العباد خيرها وشرها.
      فيقال: آمن بأن الله كتبها، فما الفرق بين العلم والكتابة؟ لهذا يمكن أن نجعلهما مرتبة واحدة.
      فإذا قال: أنا لا أؤمن بالمشيئة.
      فنقول: أمرٌ علمه وكتبه ما المانع أن يشاءه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ إذاً: علمه وكتبه وشاءه.
      فَيَقُولُ: نعم شاءه.
      فنقول: أمرٌ علمه وكتبه وشاءه خلقه وأوجده، فلم يبق معه حجة فغلب وأفحم.
      لكن إذا قال: الأمر مستأنف، فكل ما وقع في الكون هو جديد لم يكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلمه والعياذ بالله.
      فنقول: كفرت؛ لأن من أنكر علم الله كفر، فلا نكون كفرناهم بالأمر الذي فيه شبهة أو إشكال، لأن الأمور المشتبهة لا يكفر بها، بل يكفر بالأمور الواضحة الجلية.
    3. بدعة الاعتزال

      ظهرت بعد بدعة معبد وغيلان بدعة الاعتزال، ورؤوس المعتزلة الذين نشروا هذه المقالة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وأسسا مذهب المعتزلة القدرية وسموا قدرية لأنهم ينكرون القدر لا لأنهم يثبتونه، وقد يطلق عَلَى الجبرية قدرية لكن اصطلاح القدرية غلب عليهم، ولما ظهرت المعتزلة كان فيهم الغلاة الذين ينكرون علم الله، وحكم هَؤُلاءِ أنهم كفار لا حظ لهم في الإسلام، وكان منهم من ينكر فقط أن الله خالق أفعال العباد من الشر والمعاصي.
    4. القدرية مجوس هذه الأمة

      تقول القدرية: لو أن عبداً من العباد صلى وصام وزكّى وحج وفعل غيرها من أفعال الخير، فهذه الأفعال من خلق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإذا زنا وسرق وشرب الخمر، فهذه من فعله خلقها العبد، حتى لا ننسب الشر إِلَى الله، وحتى لا نقول: إن الله شاء شيئاً وقدره ثُمَّ يعذِّبه هكذا زعموا فوجد فيهم هَؤُلاءِ، ووجد فيهم هَؤُلاءِ ولهذا سمى هَؤُلاءِ مجوس هذه الأمة.
      فقد ورد ذلك في أحاديث لا يصح رفع شيء منها كما بين ذلك الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى وغيره، أما ما في كلام السلف فقد ورد ذلك أنهم سموا القدرية مجوس هذه الأمة، وسموا بذلك لأن المجوس يقولون: إن الشر إله وهو الظلام، والخير إله وهو النور، فجعلوا خالقين، وهَؤُلاءِ القدرية جعلوا لأفعال العبد خالقين، فالطاعات والقربات خالقها الله، والشر والمعاصي خالقها الإِنسَان.
      إذاً: هَؤُلاءِ هم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم شابهوا المجوس في ذلك، حيث أثبتوا خالقين،
      والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الخالق لكل شيء وحده، وقد أجمع أهل السنة عَلَى أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو خالق أفعال العباد خيرها وشرها كما سيأتي بيانه إن شاء الله فيما بعد.
      ثم بعد ذلك انتشر التصوف وانتقلت قضية الجبر إِلَى معنى أبعد وأعمق وأعظم بكثير، ثم ظهر ضد قول المعتزلة القدرية الذين ينكرون القدر وهَؤُلاءِ أثبتوا الجبر، وغلوا فيه، حتى سلبوا العبد إرادته وقدرته ومشيئة الإرادية التي جعلها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيه، فقالت الجبرية: إن الإِنسَان مثل الريشة في مهب الريح، وإن الحركات لا إرادية سواء فعل الخير أو فعل الشر فهي مثل حركات المرتعش؛ لأنها ليست إرادية ولا اختيارية.
      ورأس هَؤُلاءِ الجبرية وزعيمهم الجهم بن صفوان الذي اشتهر إلحاده وعم شره في العالم الإسلامي ابتدع هذه المقالة التي أخذها من كلام الفلاسفة الصابئين فأثبت أن كل ما يجري في هذا الكون من أفعال أن الله تَعَالَى هو الفاعل لها، وليس لغير الله مشيئة ولا إرادة، فقابل الغلو بالغلو، وأخذ الفريقان يتصارعان.
      فأصبحت الفرقتان متميزتين فرقة تغلو في نفى القدر وهم المعتزلة الغلاة والفلاسفة حتى أنكروا العلم الذي لا ينكره إلا كافر، وَقَالُوا: إن الله تَعَالَى لا يعلم إلا الكليات -تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيرا- ولا يعلم الجزئيات، وقد أجمع الْمُسْلِمُونَ بجميع طوائفهم عَلَى تكفير الفلاسفة سواءً كَانَ الكندي أو الفاربي أو ابن سينا أو أمثالهم.
      وقد أثبت الله تَعَالَى علمه بالجزئيات فأثبت علمه بالحبة والورقة التي تسقط قال تعالى: ((يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)) [غافر:19].
    5. بدعة الصوفية وعلاقتها بالقدر

      جاءت الصوفية في القرن الثالث الهجري فَقَالُوا: إن الإِنسَان إذا وصل إِلَى مرحلة التوحيد الحقيقي بأن لا يرى في هذا الكون شيئاً سوى الله، أو يقول: لا موجود إلا الله، فلا يرى إلا الله، وأن حركات النَّاس وسكناتهم كلها من فعل الله؛ فلا تقل هذه طاعة ولا تقل هذه معصية ولا هذا كفر، فكله من الله، وهذا غاية التوحيد عندهم نسأل الله العفو والعافية فقد قال قائلهم:
      أصبحت منفعلاً لما تختاره            مني ففعلي كله طاعات
      وأنا لا أختار شيئاً إن شاء الله فعلت المعصية، وإن شاء فعلت الطاعة، فهذه حقيقة التوحيد التي يزعمون، يقولون: ما دمت أيها العبد تؤمن بوجود ذاتيين منفصلتين عبد ومعبود، خالق ومخلوق؛ فأنت لم تصل بعد إِلَى قمة التوحيد والعياذ بالله ويجعلون توحيد الأَنْبِيَاء من توحيد العامة، وتوحيدهم: توحيد الخاصة، أو خاصة الخاصة، الذين إن ذكروا فبالضمير هو هو هو، لا يقولون: الله، لأن عندهم "لا إله إلا الله" للعامة و"الله" للخاصة، و"هو" لخاصة الخاصة، هذا ذكرهم وعبادتهم وعقيدتهم في الأفعال من طاعات أو معاصي أو فجور كلها من الله.
      يسأل سائلهم يوسف الجنيد يقول: ما الخيرة؟
      قال: ترك الخيرة.
      قَالَ: فما الإرادة؟
      ألا تريد.
      قَالَ: فما الحيلة؟
      قَالَ: ترك الحيلة.
      هل هذا معقول؟ الخيرة: أن لا تختار، والإرادة: أن لا تريد، والحيلة: ألا تحتال؛ فهذا تناقض؛ فإما أن تريد الخير وإما أن تريد الشر، لكنهم قالوا:
      العبد رب والرب عبد            يا ليت شعري من المكلف
      إن قلت عبدٌ فذاك رب            أو قلت رب أنّى يكلف
      تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا، هذا هو الكفر الصريح بعينه وهو تطور لمسألة القدر، ووصل بهم إِلَى أن قالوا: إن الله هو الذي يفعل كل شيء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

      وانتشر التصوف في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وانتشرت معه هذه العقائد الضالة في باب القدر، وأمسى الاعتزال وقد خفت شأنه؛ لأن الاعتزال انحصر في الطبقة المثقفة الذين يطلعون عَلَى كلام اليونان وكلام الهنود فليس كل أحد من النَّاس يفعل ذلك، وقد تحول الاعتزال إِلَى عقيدة شعبية عن طريق الرفض، فالروافض اعتنقوا مذهب المعتزلة في القرن الرابع، بعد أن كانوا في الأصل جبرية، وبعد أن كانوا مشبهه وممثلة.
      فأصبحت هناك فئة من الْمُسْلِمِينَ -الروافض وهم فئة محدودة- عَلَى مذهب المعتزلة، وأغلب الْمُسْلِمِينَ الذين انتشر فيهم التصوف اعتنقوا مذهباً آخر في العقيدة وفي الكلام وفي القدر والإيمان وهو منهج الأشعرية والماتريدية.
    6. الكسب عند الأشاعرة

      والأشعرية: أثبتوا شيئاً جديداً في مسألة القدر، وهو الكسب، والكسب في الحقيقة ليس من ابتداع أبي الحسن الأشعري وإنما نقله عن المعتزلة وعندما رجع عن الاعتزال إِلَى الكلابية وهي المرحلة الثانية من مراحله قبل أن يرجع إِلَى مذهب السلف، أخذ بهذه النظرية وهي الكسب، فقال: الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فاعل، والعبد: نافذ، فجاء بنظرية يرى أنها وسط بين الجبرية والقدرية.
      وهي في الحقيقة وسط بين قول الجبرية وبين مذهب أهل السنة، وتمثل الأشعرية على ذلك بالمصباح الكهربائي: إذا أراد الأب أن يمتحن ابنه فَقَالَ له: لا تنفخ هذا المصباح فإذا نفخته وانطفأ عاقبتك، والمصباح الكهربائي لا ينطفئ بالنفخ، وإنما ينطفئ بالزر، والأب عنده الزر، فإذا نفخ الابن المصباح أطفأ الأب المصباح، ثُمَّ يضرب الابن فَيَقُولُ: أضربك لأنك خالفت أمري فأطفأت المصباح.
      ويضرب البغدادي صاحب الفرق بين الفرق مثالاً آخر فَيَقُول في كتاب أصول الدين: لو أن رجلين حملا حجراً واحداً وأحد الرجلين كبير والآخر صغير، فلو حمل الكبير الحجر وحده لاستطاع، لكن جَاءَ الصغير وحمل الحجر معه، فجاء المعاقب الذي يعاقب عَلَى حمل الحجر، فعاقب الصغير وضربه، فإنه لا يكون ظالماً، لأنه حمل مع الكبير، وإن كَانَ الكبير هو الذي يستقل بحملها وحده، يقول: هذا مثال عَلَى أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الفاعل الحقيقي، ولكن العبد يشارك فقط، وإلا لو ترك العبد الفعل لوقع الفعل من غيره، لكن يعاقب عَلَى هذه المشاركة وإن كانت مشاركة غير مؤثرة -تَعَالَى الله عما يصفون- فكل هذا مخالف للإيمان بالله، وللإيمان بقدره عَلَى حقيقته، فمثلاً لو قيل لهم: ماذا تقولون في رجل زنى أتنسبون هذا الفعل إِلَى الله، وهذا لازم كلامكم أنه لا فاعل إلا الله؟ وفي عقيدة الأشعرية المسماة جوهرة التوحيد منظمومة شعر يحفظونها ويدرسونها في أكثر أنحاء العالم الإسلامي مع الأسف يقال فيها :
      والفعل في التأثير ليس إلا            للواحد القهار جلا وعلا
      فلا تثبت الفعل إلا لله جلا وعلا، فلا يؤثر إلا الله: ولا يفعل إلا الله: فيقال لهم: لو أن أحداً زنى من الفاعل في هذه الحالة؟ فإن قالوا: "الله" فهذا هو الكفر، وإن قالوا: فعل العبد فالعبد هو الفاعل، والله هو الخالق.

      وقد نسب الله تَعَالَى في القُرْآن الكريم الأفعال إِلَى العبد فقَالَ: ((بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ))[المائدة:105] ((تَعْقِلُونَ)) [البقرة:44] وكذلك الصلاة ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)) [الحج:77] وقَالَ: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى))[الليل:6، 7] وفي المقابل((وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى)) [الليل:8، 9] فهذه الأفعال فعلها العبد، والله تَعَالَى خلق الإِنسَان، وخلق أفعاله، وخلق القدرة التي بها يفعل الأفعال، لكن الفاعل هو الإِنسَان، والإِنسَان له إرادة وله مشيئة.
      قال تعالى: ((وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)) [الإِنسَان:30] وقَالَ: ((لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ)) [التكوير:28] وقَالَ: ((فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر)) [الكهف:29] فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أثبت لنا المشيئة، وبين لنا الصراط المستقيم فَقَالَ :((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)) [الإِنسَان:3] إما أن يختار الكفر وإما إن يختار الإيمان، فكيف يقَالَ: إنه لا مشيئة له في الحقيقة والفاعل هو الله، فالعبد فاعل عَلَى الحقيقة، ولكن الخالق هو الله، ولهذا يجازي العبد ويحاسبه لا عَلَى مشاركة صورية، أو كسب أو تأثير لا قيمة له، إنما يحاسب العبد ويجازيه لأنه فعل ذلك حقيقة.

      أما دعاة الرفض فهم ينكرون القدر، وقد رد عليهم شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رحمه الله تعالى في كتابه العظيم النادر المثال الذي لم يكتب مثله وهو كتاب منهاج السنة النبوية.
  3. من ميزات عقيدة السلف

     المرفق    
    من أعظم المميزات لعقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أنها عقيدة فطرية ميسرة وواضحة يفهمها ويعقلها كل إنسان إذا ترك الجدال والتقليد.
    يقول صاحب الجوهرة تبعاً لما سبق:
    والفعل في التأثير ليس إلا             للواحد القهار جل وعلا
    فمن يقول بالطبع أو بالعلة            فذاك كفر عند أهل الملة
    ومن يقل بالقوة المودعة            فذاك بدعيٌ فلا تلفت
    أي: لو أن الإِنسَان قَالَ: إن هذه الأشياء تفعل بطبعها أو أنها علة بذاتها فهو كفر مخرج من الملة، وكذلك من قَالَ: إن العباد يفعلون الأفعال بقوة أودعها فيهم، فالنَّار مثلاً تحرق لأن الله أودع فيها الإحراق وجعل الإحراق من خصائصها فهذا الكلام بدعي، فالذي يحرق هو الله، والنَّار ليس لها أي تأثير. فهذا التقليد والجمود المنافي للعقل والفطرة هو الذي أضل عوام الْمُسْلِمِينَ، أما إذا بقي الإِنسَان عَلَى فطرته فإنه لا يختار إلا منهج وعقيدة السلف الصالح لأنها واضحة.
    فعندما يسمع العامة قوله تعالى: ((وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)) [التكوير:29] يقولون: إن الله يقول: (تريد يا عبدي وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد) نسمع هذه من آبائنا، والله لم يقل هذه المقالة لكنها حق في ذاتها. فالفطرة موجودة لكنهم عبروا عنها بكلمة غير صحيحة عندما نسبوها إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لأن الله تَعَالَى يقول:((وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)) فنقول: إن مشيئة العبد هي بعد مشيئة الله، فإن شاء العبد الخير وأراده وأحبه وفعله فكل ذلك بمشيئة الله سبحانه، وإذا شاء الشر واختاره وفعله وأراده فبمشيئة الله فعل ذلك، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يحاسب العبد لأنه هو الذي فعل واختار وأراد، فلو أن رجلاً مجنوناً ترك فريضة من الفرائض أو فعل محرما من المحرمات لم يحاسب، بل يحاسب الإِنسَان العاقل العالم؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حكيم.
    إذاً: فهذا يحاسب لأنه فعل ذلك بإرادته واختياره، أما المجنون فمناط التكليف والإرادة مفقود عنده فلا يحاسبه الله تَعَالَى عَلَى ذلك، لكن عند هَؤُلاءِ لا فرق بين الفعلين: بين فعل المجنون وبين فعل العاقل، وإنما سبب ذلك كما أشرنا هو الجهل والتقليد الذي عمَّ بلاد الْمُسْلِمِينَ، حتى أصبحت كلياتهم العلمية وجامعاتهم ومعاهدهم تدرس هذه العقائد المنافية للفطرة وهم لا يشعرون، ولذا يجب علينا وجوباً أن ندعو ونسأل الله أن يرد الْمُسْلِمِينَ إِلَى عقيدتهم عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لئلا يموت أحدهم وهو عَلَى ضلال في القدر وفي معرفة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
  4. آية الكرسي واشتمالها على أصول الصفات

     المرفق    
    لقد ذكر الله تَعَالَى في سورة البقرة أعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي التي اشتملت عَلَى أصول الصفات العظيمة فقال: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) [البقرة:255] فأول صفة ذكرها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه لا إله إلا هو، يجب أن يوحده الخلق جميعاً ((الْحَيُّ الْقَيُّومُ)).
    فالسمع والبصر والكلام وسائر هذه الصفات مبنية عَلَى صفة الحياة، ومعنى "القيوم" أي: المستغني القائم بنفسه تعالى، فله كمال الغنى فكل ما ينفى عن الله من النقص فهو لكمال حياته وكمال قيوميته، لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته، ثُمَّ قَالَ: ((لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)). الشاهد قوله:((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)).
    فهذه المرتبة الأولى من مراتب القدر: أن نؤمن بأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وإذا علمنا بأن الله عليم فقد آمنا بصفة عظيمة يترتب وينبني عليها صفات وأبواب أخرى من أبواب الإيمان والعقيدة في باب القدر، أما حال بني البشر فكما قال الله تعالى: ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)) كما في قصة الخضر مع موسى لما رأى الطير ينقر في البحر نقرة قال: أرأيت ما أخذ هذا الطائر من البحر فإن ما عندي وعندك من علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلا كما أخذ هذا الطائر من الماء؛ كم أخذ هذا الطائر من البحر؟ هذا هو العلم الذي أطلع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به خواص خلقه وأنبيائه، لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يطلع عليه كل أحد ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)) [البقرة:255].