المادة    
  1. الحكمة من إيراد البخاري لحديث الأولياء تحت باب: التواضع

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا )، ولذلك تفطن الإمام البخاري رحمه الله لهذا؛ فروى الحديث تحت باب: التواضع، والمناسبة بين هذا الحديث وبين التواضع: أن أولياء الله في الغالب متواضعون، ومستترون بين الناس، فلا يؤبه لهم، والذين يحبون الألقاب العريضة، وتصدر المجالس، وأبهة الحياة الدنيا وزينتها؛ هؤلاء ليسوا بأولياء لله، فالغالب أن أولياء الله لا يحبون ذلك، فإذا ابتلوا بالظهور أو الشهرة عدّوا ذلك بلاءً يتقاضى منهم أوقاتهم، ويتقاضى منهم ذكرهم وعبادتهم؛ فهم لا يريدونه، بل يحبون أن يختفوا، فهذا أيضا ًمن الأمور المهمة.
    ولذلك جاء في مقدمة الحديث: ( إن يسير الرياء شرك )، فيجب على المؤمن أن يتحرز منه.
  2. عدم حرص أولياء الله على الظهور والشهرة

    قال: ( وإن من عادى لله ولياً فقد بارز الله بالمحاربة، وإن الله تعالى يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا )، فهم كل ضعيف مستضعف، فحري أحدهم إذا خطب ألا ينكح، وإذا غاب ألا يفتقد، وهذه صفات أهل الجنة.
    يقول: ( إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يدعوا، ولم يعرفوا، مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة )، وهؤلاء الذين هذا حالهم إذا جاءت الفتنة الغبراء المظلمة المدلهمة أنجاهم الله تبارك وتعالى، ويقع فيها أولئك المتهافتون على الدنيا، وزخرفها، وزينتها، ومتاعها، وأبهتها.
    قال الإمام ابن رجب: (فأولياء الله تجب موالاتهم، وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم، قال تعالى: (( لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ))[الممتحنة:1] -إشارة إلى أول سورة الممتحنة- وقال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ))[المائدة:55-56]) وهذا ضمن الآيات العظيمة في سورة المائدة، وسيذكر بعد قليل أولها وما قبلها.
    قال: (ووصف أحباءه الذين يحبهم ويحبونه) بالآية، أي قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ))[المائدة:54]، وهذا تهديد، فلا يظن أحد من الناس أنه هو الذي يقوم به الدين أو الدعوة، فمن أنت؟! فالله تعالى هو الذي يقيم دينه بك أو بغيرك، فاحرص على الاستقامة، واعلم أنك أنت المحتاج إلى الله، وأنت المحتاج إلى أن تدعو إلى الله، وأما دعوة الله فهي في غنى عنك.
    وقد كان الإمام المجاهد نور الدين محمود رحمه الله يقول له الناس: يا نور الدين ! لا تغامر ولا تخاطر بنفسك، وقد كان يتقدم في المعركة أمام الروم، فقالوا: فإنك إن هلكت أو قتلت ضاع الإسلام! فيتعجب ويقول: سبحان الله! إن الذي يحفظ الإسلام، ويقوم بالدين هو الله الذي لا إله إلا هو، فماذا يكون محمود ؟!
    وذكروا أنه كان في مرة من المرات في المعارك فرأى جنده؛ وكانوا كلهم جنود منتقون في العبادة والصلاح؛ على قلة عددهم، فكان يقول: والله! لو كان معي ألف لا أنهزم في معركة، ألف فقط، وكان ينظر إلى جنده وينظر إلى الصليبيين وهم أكثر منهم عدداً وعدة فيقول: يا رب! إن هؤلاء أولياؤك، وإن هؤلاء أعداؤك، فماذا هذا الكلب محمود بينهم! يعني: لا تهزم المسلمين من أجلي، مع أنه لولا الله سبحانه وتعالى ثم هو ما خرج هؤلاء المسلمون، ولا جاهدوا، وهو الذي فتح البلاد واحدة تلو الأخرى؛ حتى مكن الله تبارك وتعالى به الدين، وهزم الصليبيين.
  3. حال أولياء الله تعالى مع المؤمنين والكفار

    يقول: فوصفهم الله سبحانه وتعالى (بأنهم أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ))[المائدة:54]، فهذه أول صفة يحبهم ويحبونه، فيستبدل الله تعالى من يرتد عن دينه بأولياء له يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وهكذا حال أولياء الله، وأما أعداء الله فهم عكس ذلك؛ أعزة على المؤمنين، وأذلة على الكافرين.
  4. غيرة الله تعالى على أوليائه والتحذير من معصية الله

    قال: (وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده عن وهب بن منبه -وهذه هي الرواية الموقوفة- قال: (إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام حين كلمه: اعلم أن من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة، وعاداني، وعرض نفسه ودعاني إليها، وإن أسرع شيء إليَّ نصرة أوليائي) ) ولا يبعد أن مثل هذا المعنى العظيم الشريف الجليل يقوله الله تبارك وتعالى لعدد من أنبيائه، ويبلغه لهم جميعاً، فيكون ما نقله وهب بن منبه -وهو من علماء أهل الكتاب- مثل ما ورد عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، فإن الأنبياء دينهم واحد، فهو سبحانه سريع الانتقام، وسريع النصرة، وليست تلك السرعة بمفهومنا نحن، وإنما هي كما يشاء، (( وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ))[الحج:47]، فهو يستدرجهم من حيث لا يعلمون.
    قال -وتأمل هذه المعاني العظيمة- ( ( أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي ) ) أي: أيظن الذي يحارب الله أنه سيصمد أمام حرب الله، وأمام قوة الله؟! ( أو يظن الذي يعاديني أنه يعجزني )، وهذا ظن كثير ممن يحاربون الله، فيظنون أنهم يعجزونه، وهم لا يعجزونه تبارك وتعالى، ( أم يظن الذي يبارزني أنه يسبقني، أو يفوتني )، لا أبداً مهما ذهب، مما خلق الله تعالى ما من دابة إلا وهو آخذ بناصيتها، فيمهله كما يشاء، ثم يأخذه.
    قال: ( وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، فلا أكل نصرتهم إلى غيري )، فلا يكل سبحانه نصرة أوليائه إلى غيره، فهو يتولاهم بنفسه، فهذا هو معنى: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ).
    ثم قال رحمه الله تعالى -وهذا تنبيه عظيم مهم-: واعلم أن جميع المعاصي محاربة لله تعالى، فمحاربة الله ليست فقط بمحاربة أوليائه؛ لا، بل كل المعاصي والذنوب هي محاربة لله، لكن ذكر هذا الحديث لبيان قيمة أولياء الله، وقدر أولياء الله عنده، وليس في بيان قيمة وقدر وخطر وضرر الذنوب والمعاصي، فكثير من الناس يظن أنه إذا صلى أو صام، ويعد نفسه من أهل الإيمان والإسلام أنه يجوز له أن يفعل بأولياء الله ما يشاء، فجاء التحذير من معاداة أولياء الله، وأن ذلك محاربة لله.
    قال الحسن البصري -وعلى كلامه دائماً قبس من نور النبوة-: [ ابن آدم -أي: يا ابن آدم!- هل لك بمحاربة الله من طاقة، فإن كل من عصى الله فقد حاربه ] وكلما كان الذنب أقبح كانت المحاربة لله أشد؛ ولهذا فأعدى أعداء الله تبارك وتعالى هم الكفار: اليهود ، و النصارى ، والمشركون من المجوس وغيرهم، أي: كل الكفار، ثم أهل البدع المغلظة العظيمة، وأهل الكبائر والموبقات الكبيرة، فهؤلاء أعدى أعداء الله، والعداوة درجات كما أن الولاية درجات.
    قال: (ولهذا سمى الله تعالى أكلة الربا، وقطاع الطريق محاربين لله تعالى، ورسوله؛ لعظم ظلمهم لعباده، وسعيهم بالفساد في بلاده) الطائفة الأولى: هم أكلة الربا، كما في قوله تعالى: (( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ))[البقرة:279]. والطائفة الأخرى: هم المحاربون قطاع الطريق، كما في قوله تعالى: (( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ))[المائدة:33].
    إذاً: فأكلة الربا، وقطاع الطريق يحاربهم الله تعالى؛ لأن فسادهم عظيم جداً، فكل الذنوب والكبائر خطر وضرر؛ لكن أكل الربا ماحق الربا ويربي الصدقات، فيدمر المجتمعات تدميراً كاملاً، وإن أمهلهم، وإن أملى لهم، وكذلك قطاع الطريق الذين يقطعون السبيل، فهذا ذنب عظيم شنيع، تترتب عليه المفاسد الجمة: من السرقة والاعتداء على الأعراض، وإخافة للمؤمنين، ومحاربة لأولياء الله وغيرها من الذنوب، والعياذ بالله.
    قال: (وكذلك معاداة أوليائه كما جاء في هذا الحديث).
    أي: أن معاداة أولياء الله هي حرب، فسمى الله تعالى من يعادون أولياءه محاربين له أيضاً.
    يقول: (فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه، ويحبهم، ويؤيدهم، فمن عاداهم فقد عادى الله تعالى وحاربه، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الله الله في أصحابي؛ لا تتخذوهم غرضاً، فمن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه )، خرجه الترمذي وغيره).
    وهذا دليل على فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا شك في ذلك، وقد قررنا أن أفضل الأولياء بعد الأنبياء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك تأمل كيف مسخ الله تعالى الروافض ؛ ببعضهم ومعاداتهم للصحابة، ولعنهم لهم، فهم أمة ممسوخة كـاليهود ، ولو رأيتم اليهود وأزياءهم، ولباس علمائهم، وما يفعلونه عند الحائط الذي يسمونه: حائط المبكى؛ ورأيتم الرافضة ، وشيوخهم، وهيئتهم؛ لقلتم: إن هؤلاء من هؤلاء، وإذا رأيتم وجوههم لقلتم: إن هؤلاء من هؤلاء، وإذا رأيتم طباعهم لقلتم: هؤلاء من هؤلاء، وإذا دخلتم إلى أحيائهم ورأيتم قذاراتها ونتانتها لقلتم: إن هؤلاء من هؤلاء، فقد مسخ الله الروافض ؛ لأنهم عادوا أفضل أولياء الله بعد الأنبياء وهم: الصحابة، فانطبق عليهم مثل هذا الحديث.
  5. صفات أولياء الله تعالى وأقسامهم

    قال: (وقوله: ( وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه): لما ذكر أن معاداة أوليائه محاربة له ذكر بعد ذلك وصف أوليائه) وهم على طبقتين: الأولى: هم الذين يتقربون إليه بأداء ما افترض عليهم، والطبقة الثانية الذين يزيدون على ذلك بأداء النوافل.
    قال: (لما ذكر أن معاداة أوليائه محاربة له؛ ذكر بعد ذلك وصف أوليائه الذين تحرم معاداتهم، وتجب موالاتهم، فذكر ما يقرب إليه، وأصل الموالاة: القرب، وأصل المعاداة: البعد) فوليك هو القريب منك، فإذا قلت: فلان وليي، فهو القريب منك القريب؛ سواء كان ذلك في العقيدة، أو في الموقف، أو في الرأي، أو في أي شيء آخر. وأما المعاداة فهي من البعد والعدو؛ لذلك يقال للجري الشديد: العدو؛ لأنه ركْض وبعْد.
    فأولياء الله: هم الذين يتقربون إليه بما يقربهم منه، وأعداؤه: هم الذين أبعدهم بأعمالهم المقتضية لطردهم وإبعادهم منه، فكلما أوغلوا في الذنوب ازدادوا من الله تعالى بعداً والعياذ بالله، فهؤلاء يبتعدون، وهؤلاء يقتربون.
    قال: فقسم أولياءه المقربين قسمين، وهذا هو الشاهد الذي من أجله ذكر الشارح رحمه الله تعالى هذا الكلام، وهذا الكلام منقول عن (الفرقان) لـابن تيمية رحمه الله، فهما قسمان: أحدهما: من تقرب إليه بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات؛ لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده.
    والقسم الثاني: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل، فيتنفل امتثالاً، ويتنفل تركاً؛ وذلك بأن يفعل المندوبات، ويترك المكروهات.
  6. بطلان دعوى وجود طريقة أخرى توصل إلى الله غير التي شرعها على لسان رسوله

    قال: (فظهر بذلك أن دعوى طريق يوصل إلى التقرب إلى الله تعالى، وموالاته، ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ممن ادعى ولاية الله ومحبته بغير هذا الطريق؛ تبين أنه كاذب في دعواه).
    وهذا كما بينا: أن أدعياء الولاية كثيرون، لكن لا يمكن أن يكون ولي الله من ارتكب المحرمات، أو ترك الفرائض، فهو ليس من أهل الدرجة الدنيا؛ فكيف يزعم أنه من أهل الدرجات العلى في الولاية؟! فولي الله لا بد أن يكون ممتثلاً للأوامر، مجتنباً للنواهي.
    وهذا الكلام من الشيخ رحمه الله تعريض ورد على أهل الطرق الصوفية الذين يدعون أن هناك طرقاً أخرى تؤدي إلى الولاية، فهو يذكر أن ليس هناك طريق إلا في امتثال الشرع، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما غير ذلك فكذب، وهو طريق مسدود، والعمل في وجه فاعله مردود.
    يقول: (كما كان المشركون يتقربون إلى الله تعالى بعبادة من يعبدون من دونه، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: (( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ))[الزمر:3]).
    فهم يريدون التقرب إلى الله، والتزلف إليه بعبادة هؤلاء، وإن شفاعتهن لترتجى، ويقولون: إن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فنحن نعبدهم وندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى، فالمشركون لم يقولوا: نحن نريد أن نعادي الله، ولم يقولوا: نحن نريد أن نبتعد عن الله، فهم يريدون أن يتقربوا إلى الله، لكن كان تقربهم بطريق غير مشروع؛ وذلك بطريق الشرك، فلم تنفعهم إرادتهم التقرب؛ لأن العمل الذي عملوه لم يكن صائباً، حقاً فإرادة التقرب إلى الله حق؛ لكن يجب أن يكون العمل أيضاً حقاً، فهذا ما حكاه الله عن المشركين.
    وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب من اليهود و النصارى أنهم قالوا: (( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ))[المائدة:18]، أي: الشعب المختار، فكل واحد منهم يدعيها، لكن الله تعالى كذبهم فقال: (( فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ))[المائدة:18]، إذاً: إذا أحب الله عبداً لم يعذبه، وهذه فائدة عظيمة، فاحرص على أن تكون أعمالك مما يؤدي إلى محبة الله، فإذا أحبك الله لم يعذبك، وأما أن يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه؛ وقد عذبهم الله في الدنيا، وسيعذبهم الله تعالى في الآخرة؛ فهذه دعوى.
    إذاً: فليسوا من أولياء الله، وليسوا من أحباب الله، وكيف يكونون كذلك مع إصرارهم على تكذيب رسله، وارتكاب نواهيه، وترك فرائضه؛ ولذلك ذكر في هذا الحديث أن أولياء الله على درجتين: إحداهما: المقربون إليه بأداء الفرائض، وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين، وأداء الفرائض أفضل الأعمال.
  7. البدء أولاً بالفرائض قبل النوافل

    ولهذا ينبغي أن ننتبه في عبادتنا وفي دعوتنا أيضاً إلى الناس كيف يعبدون الله، ويكون أهم ما ندعو إليه: الفرائض، وأعظمها: التوحيد، وأما لو أتيت الناس وعلمتهم بعض المندوبات والمستحبات -وإن كنت ترى أنها مهمة- وهم مخلون بالفرائض والأركان والأساسيات؛ ما نفعنهم بشيء، (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه).
    يقول: (وأداء الفرائض أفضل الأعمال) أي: لو كانت هذه المندوبات والمستحبات أحب إلى الله لجعلها فرائض، وأخر الفرائض وجعلها في درجتها، فلينتبه فربما أضاع البعض الواجب من أجل المندوب، وارتكب المحرم كيلا يرتكب المكروه، فهذه قاعدة عظيمة يجب أن يتنبه لها كل مؤمن.
    قال: (وأداء الفرائض أفضل الأعمال، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: [ أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله ] )، وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا رسول الله! أرأيت إن صليت المكتوبات، وتركت المنهيات، أدخل الجنة؟ )، فهذا هو الأصل، فأنت إذا أديت الفرائض، واجتنبت النواهي فأنت في درجة الولي، وحققت الدرجة الدنيا منها، فإياك أن تخرم ذلك حفظاً على درجة تظن أنها أعلى، والدنيا ليست عندك!
    قال عمر رضي الله عنه: [ أفضل الأعمال ثلاثة أشياء: أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله -أي: ترك المنهيات-، وصدق النية فيما عند الله ]، وصدق النية فيما عند الله، وحسن الظن بالله هو أيضاً من الواجب.
    وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: [ أفضل العبادات أداء الفرائض، واجتناب المحارم ]، ومن حرم فقه الدعوة، ولم يدرك هذه الحقيقة؛ فإنه قد يتنطع، ويتكلف، ويشق على نفسه في أمور يظنها من الورع، وهو مضيع لواجبات وأركان وفرائض، فلا تنفعه تلك التكليفات، ولا يجدي ولا يغني عنه شيئاً تركه لتلك الواجبات، بل هو مؤاخذ عليها.
  8. أعظم فرائض البدن هي الصلاة

    قال: (وذلك أن الله تعالى إنما افترض على عباده هذه الفرائض ليقربهم عنده، ويوجب لهم رضوانه ورحمته، وأعظم فرائض البدن: الصلاة، كما قال تعالى: (( كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ))[العلق:19]) فبقدر ما يصلي الإنسان فإنه يؤدي الفريضة، ولا يطيع من ينهاه عنها، فهو يقترب من الله بذلك، (وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) ).
    إذاً: إذا أردت التقرب إلى الله تعالى فأكثر من الصلاة ومن السجود.
    قال: (وقال: ( إذا كان أحدكم يصلي فإنما يناجي ربه، وربه بينه وبين القبلة ) )، وقال: ( ( إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ) )، والأدلة كثيرة في هذا الموضوع.
    قال: (الثاني: عدل الراعي) ويبدو واضحاً أن الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى كان شديد التأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم ؛ فهو لم يأخذ التعبد من زاوية ضيقة كما نجد ذلك عند أبي حامد الغزالي وأمثاله، فإنهم يأخذونه من باب الذكر والعبادة والنوافل والورع، وأما هؤلاء فإنهم يأتون بأمور المعاملات، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكرون جملة العبادات والحقوق بأنواعها: حق الله، وحق العباد، فيذكرون حق العلم، وحق الدعوة، وحق الجهاد، فهنا جعل بعد الصلاة عدل الراعي.
  9. من الفرائض المقربة إلى الله: عدل الراعي

    قال: (ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى: عدل الراعي في رعيته، سواءً كانت رعية عامة كالحاكم، أو خاصة كعدل آحاد الناس في أهله، وولده) فالمهم هو العدل فيما تتولى، وقد تكون ولايتك في إدارة، أو في منطقة، أو في قطاع، أو في إقليم من الأقاليم، أو ما يسمى الآن: دولة؛ إذا كان العالم الإسلامي كله خلافة واحدة.. وهكذا، إذاً: فقد تكبر الولاية أو تصغر، فمن أوجب الواجبات، وأعظم الفرائض: العدل فيما وليت، يقول الحافظ ابن رجب : قال صلى الله عليه وسلم: ( كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته )، وهذا أيضاً يشهد له ما جاء في حديث: ( سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وذكر: إمام عادل )، فالعدل أساس، وركن ركين.
  10. شرف المقسطين في الآخرة

    قال: (وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور، على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين ) )، وليس هناك شرف أعظم من هذا، فليس هذا عظيم من عظماء الدنيا يضعك بجانبه، على يده اليمنى؛ ليراك الناس، وأنما هو الله عز وجل؛ جبار السماوات والأرض، وملك الملوك سبحانه وتعالى يجعل هؤلاء الخلق الذين هذا شأنهم على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، فهذا الموضع العظيم، والمكان الجليل يغبطهم عليه كل الخلق.
    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنهم من هؤلاء فقال: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا )، فاعدل في البيت حتى ولو يكن عندك زوجتان، فليس من شرط العدل أن يكون بين زوجتين، وإنما يعدل المرء مع أهله، ومع أبنائه، وينصفهم من نفسه، ويعطيهم حقهم الذي افترض الله تعالى عليه لهم، فإذا كبرت الولاية فالعدل يعم، والواجب يكبر بقدر ما تتولى، فإن كنت تريد أن تكون من أولياء الله المقربين المقسطين، الذين هذه درجتهم يوم القيامة؛ فعليك إذاً بالعدل.
    ( الذين يعدلون في حكمهم ) سواء كان حكم ولاية، أو كان حكم قول؛ لأن القول حكم، قال تعالى: (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ))[الأنعام:152]، ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله: إن كل من قضى وحكم بين اثنين فهو قاض. أي: أن القاضي اسم جنس يشمل كل من قضى أو حكم بين اثنين؛ حتى من يحكم بين الأطفال إذا تخيروا في الخطوط، أي: إذا سألوك عن خطوطهم: أيهم خطه أحسن.
    إذاً: فهذه المسألة عظيمة جداً، وهذا العدل فقده أكثر الناس، والقليل هم الذين يراعون العدل فيما يقولون، وفيما يفعلون، وفيها يتصرفون، والواجب على من أراد ولاية الله: أن يكون من المقسطين، ومن أهل العدل الذين يعدلون في حكمهم إن كان قولاً، وإن كان عملاً، وإن كان ولاية عامة، وإن كان ولاية خاصة في البيت أو ما فوقه.
    يقول: (وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة، وأدناهم إليه مجلساً إمام عادل ) ) فأدناه الله تعالى وقربه؛ لأنه كان في الدنيا في إمكانه أن يطغي، وكثير من الناس تطغيهم مناصبهم فلا يعدلون، وهذا مع ما ولاه الله إلا أنه عدل وقسط؛ فلذلك استحق أن يدنيه الله تبارك وتعالى منه، فهذه هي الدرجة الأولى.
  11. فضل المجتهدين بالنوافل بعد الفرائض

    قال: (الدرجة الثانية: درجة السابقين المقربين) وسيأتي بعد ذلك ذكر القربات الأخرى مثل قراءة القرآن، والذكر، وقد انتقل إلى الدرجة الثانية: (درجة السابقين المقربين، وهم الذين تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في النوافل والطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع، وذلك يوجب للعبد محبة الله، كما قال: ( ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ) فمن أحبه الله رزقه محبته، وطاعته، والاشتغال بذكره، وخدمته، فأوجب له ذلك القرب منه، والزلفى لديه، والخط عنده).
  12. عظم حاجة العبد إلى ربه

    إذاً: أن تشتغل بمحبته، وطاعته، وذكره، والتقرب إليه، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ))[المائدة:54]، ففي هذه الآية إشارة إلى أن من أعرض عن حبنا، وتولى عن قربنا، ولم يبال بنا؛ استبدلنا به من هو أولى بهذه المنحة وأحق، فمن أعرض عن الله فماله عن الله بدل.
    فأين تذهب يا مسكين! من بدلك، ومن عوضك غير الله إذا أعرضت عن الله؟!
    قال: (ولله منه أبدال، فالله تعالى غني، وله أبدال عنك).
    وقد ذكر بعض العلماء قصة هنا وفيها عبر، والأمر كما قال عمر رضي الله تعالى عنه وغيره: [ ما أكثر العبر، وما أقل الاعتبار ] فقد مر رجل من الصالحين وكان يتفكر في حال الخلق مع الله: كيف معاملتنا لله، ومعاملة الله تعالى لنا، فكان ماشياً يتفكر فإذا بطفل صغير ينفلت من أمه ويهرب في الأزقة، وهو لا يستغني عن أمه، وهي تناديه وتدعوه، فأبى أن يعود وشرد وتفلت وذهب، في الشمس والغبار، وذاق الجوع، فدعته ودعته فأبى، فأقفلت الباب، فرجع وهو يبكي ويطرق الباب، ففتحت أمه وقالت له: يا بني! ألم أقل لك لا تذهب عني، إذا ذهبت عني فمن يأويك، فاحتضنته أمه. فتعجب هذا الرجل، وقال: سبحان الله! هذا هو حال العبد المؤمن مع الله عز وجل، فإذا هربت وشردت منه فإلى أين تذهب يا مسكين؟! ومن يطعمك؟! ومن يرزقك؟! ومن يتولاك؟! فإنك ستعود إليه وتطرق بابه في أي لحظة.
    إذاً: فلماذا تهرب منه ليس لك عنه غنى، وليس لك عنه بدل؟! وأما هو: (( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ))[محمد:38]، وليس بين الله تعالى وبين أحد نسب إلا التقوى، فبنوا إسرائيل قال الله عنهم في أكثر من آية: (( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ))[الجاثية:16]، وقال: (( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ))[البقرة:47]، ففضلهم الله على العالمين، لكن لما عصوا، وتجبروا، وهربوا وشردوا بالكبر والذنوب، وتكذيب الأنبياء، وأكل الربا، والبهتان العظيم الذي قالوه؛ استبدل الله تعالى قوماً غيرهم، وجاء بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة صفوة خلق الله، ولهؤلاء قال الله تعالى: (( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ))[محمد:38]، أي: حتى أنتم يا أصحاب محمد! صلى الله عليه وسلم -وحاشاهم من ذلك- لو توليتم لاستبدل الله بكم قوماً غيركم، وقد حمل هذا الدين العرب أول الأمر، وكان العجم الذين دخلوا في الإسلام قليلين، فتولى العرب فحمله الفرس والترك.
    ثم جاء نور الدين محمود و صلاح الدين ، وقيل: إنهم من الأكراد أو من الترك أيضاً، فحملوه، ثم جاء التتار فحاربوا المسلمين، فشاء الله عز وجل أن المماليك والتتار هم الذين يكونون حملة الإسلام، ولا يبالي الله عز وجل بمن أعرض عن دينه، فيستبدل به من الهند ، أو من الفرس من إفريقيا ، أو من أمريكا .
    فالمهم أنك يا مسكين! أنت المحتاج إلى الله، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي المشهور المعروف: ( يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم؛ كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم؛ كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً )، فهو سبحانه لا يحتاج إلى عبادتنا، (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ))[فاطر:15]، فما من موضع شبر من السماء إلا وفيه ملك راكع، أو ساجد، أو قائم لله تبارك وتعالى يعبده، فمن لديه هؤلاء الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهم عباد مكرمون مصطفون مختارون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون؛ هل يحتاج إلى عبادتنا؟! لا.
    إذاً: فنحن الذين نحتاج إليه سبحانه؛ ولهذا يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: (فمن أعرض عن الله فما له عن الله بدل، ولله منه أبدال) فهو الغني تبارك وتعالى، ثم أتى ببيت من الشعر الموال، وكان قد اشتهر هذا النوع من الشعر في العصر العباسي وما بعده، فأحياناً يذكر ابن رجب ، و ابن الجوزي رحمة الله عليها في المواعظ بعض الأبيات من كلام العامة، والتي يغنيها وينشدها العامة، وقد يكونون صوفية، لكن ليس ذلك شرطاً، فالمهم أنها أبيات ينشدها العامة، وهي منتشرة بين الناس، وقد يقصدون بها الله، وقد يقصدون بها غير الله؛ لكنها تعبر عن حقيقة معينة، وليست من الشعر العربي الفصيح، لكن لأن لها دلالة معينة، والعوام يعرفونها فإنما يستشهد بها، وهذان البيتان هما:
    مالي شغلٌ سواه ما لـي شغـلٌ            مـا يصرف عن هواه قلبي عذلٌ
    ما أصنع إن جفا وخاب الأمـلْ            مني بدل وما لي منه بدل
    مني بدل، أي: لله تبارك وتعالى، وما لي منه بدل.
  13. من طلب الله وجده

    قال: (وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: ( ابن آدم! اطلبني تجدني، فإن وجدتني؛ وجدت كل شيء، وإن فتّك؛ فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ) )، ثم ذكر أن ذا النون المصري كان يردد هذه الأبيات كثيراً:
    اطلبوا لأنفسكم            مثل ما وجدت أنا
    قد وجدت لي سكناً             ليس في هواه عنا
    إن بعدت قربني أو قربت منه دنا
    وقد أخذ هذا الشعر من قول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ( ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ).
    قال: (فمن فاته الله فلو حصلت له الجنة بحذافيرها؛ لكان مغبوناً، فكيف إذا لم يحصل له إلا نزر حقير يسير من دار كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة) فكم نصيبك يا مسكين من هذا الذي لا يعدل جناح بعوضة، والذي تؤثره على الله، وعلى محبة الله، وعلى رضا الله؟!
    وقوله: (فلو حصلت له الجنة).. إلخ، هذا لا يمكن؛ لأن من حصل على الجنة فقد رأى الله، فيحصل على ذلك، لكن المقصود: أنه لو حصل على كل شيء، وفاته الإيمان بالله، ومحبة الله؛ فقد فاته كل شيء، ولم يحصل على شيء، فكيف وهو لا يحصل إلا على شيء لا يكاد يذكر: من دار فانية بالية ممحوقة؛ نهايتها بوار ودمار وخراب، وليست بدار استقرار ولا قرار.
    يقول: (ولذا قيل:
    من فاته أن يراك يومـاً            فكل أوقاته فوات
    وحينما كنت في بـلاد            فلي إلى وجهك التفات )
    قال: (ثم ذكر وصف الذين يحبهم الله ويحبونه، وهذا وصف آخر، وهو وصف عظيم جداً أن يحبهم ويحبونه).
    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.